كتب سعد خلفعام على سقوط الأسد روسيا بين خسارة الحليف ومحاولة تثبيت الأوراق

كتب سعد خلفعام على سقوط الأسد روسيا بين خسارة الحليف ومحاولة تثبيت الأوراق
عام على سقوط الأسد..!
روسيا بين خسارة الحليف… ومحاولة تثبيت الأوراق
كتب الدكتور سعد خلف – موسكو،
الاثنين، 8 ديسمبر 2025
وانتهى ذلك الهجوم يوم 8 ديسمبر 2024، أي منذ عام بالتمام والكمال، بسيطرة هذه القوى على دمشق وإجبار الرئيس السابق على الفرار إلى روسيا، حيث حصل على اللجوء السياسي الإنساني بموجب قرار من الكرملين.
لكن هذا التحول كانت له أبعاد أخرى تتجاوز سوريا والمنطقة، فقد أنهى عمليا.. نموذج.. الدولة الحليفة… لروسيا وإيران، والذي ميز مرحلة ما قبل 2024، وفتح مرحلة جديدة يمكننا أن نضع لها العنوان التالي: كيف ستتكيف موسكو مع سوريا ما بعد الأسد؟
والاجابة على هذا السؤال تحتاج منا إلى تقديم تحليل موضوعي بعيدا عن العواطف والانفعالات لوضع روسيا بعد تغير السلطة، أي بعد خسارة الحليف، وهذه مسألة لا جدال عليها بين المراقبين الموضوعيين.
وما الذي تتبناه موسكو والكرملين وبوتين من أجل محاولة تثبيت الأوراق…
وهنا تتشكل صورة سوريالية، فمن جهة تحاول المعارضة… التي أصبحت الحاكمة.. استخدام ملف محاسبة الأسد كورقة تفاوضية مع روسيا؛ ومن جهة أخرى، يحتفظ الكرملين بهذه الورقة كأداة تأثير… محتملة… على البيئات العلوية والموالية السابقة داخل سوريا.
هذا الوجود الرمزي والسياسي للأسد ومحيطه الأمني والمالي… (فهناك جزء معتبر من الدائرة الضيقة السابقة يتحرك اليوم من موسكو، بحسب تحقيقات صحفية طبعا) يجعل روسيا بلا شك طرفا لا يمكن فصله عن مسألة.. العدالة الانتقالية… في سوريا الجديدة.
لكن مع ذلك، لا يمكن بحال أن نقول، حسب معطيات اليوم، أن الوجود العسكري الروسي انتهى في سوريا، فالواقع يقول إنه لم ينته ولكن انتقل إلى مرحلة إعادة تفاوض.
مصادر روسية وغربية متقاطعة تشير إلى أن روسيا حافظت على حضور في حميميم وعلى قدر من الاستخدام لطرطوس، مع استمرار المفاوضات حول الشروط القانونية والسياسية لهذا الوجود.
ومراعاة لموضوعية المراقب، أقول إن ذلك يجري في ظل حاجة موسكو والكرملين وبوتين… الشديدة.. الى نقطة ارتكاز في شرق المتوسط… مع استحالة أو لنقل صعوبة تعويضها سريعا في ليبيا أو البحر الأحمر، على الرغم من تسريبات وول ستريت جورنال عن المفاوضات الروسية مع السودان بهذا الخصوص والتي صنعت عنها مادة مرئية منذ حوالي أسبوع.
يقول الواقع أن لروسيا مصالح متنوعة في سوريا الجديدة، وقبل أن أعرض له، أود التأكيد على تصحيح مفاهيمي يتعلق بروسيا الجديدة، أي روسيا ما بعد الاتحاد السوفيتي، حتى يفهم الناس دوافع الفعل الروسي البوتيني..
حقيقة مفاهيمية مهمة لمن يرغب فهم سياسة روسيا الخارجية: هذه السياسة مبنية على النظرة الواقعية في العلاقات الدولية، وتحكمها البراغماتية.. بمعناها المحايد والموضوعي والايجابي، وأقصد أنها تبني علاقاتها مع الدول … مع من في الحكم ويسيطر عليه … لا يهم كيف وصل إليه… والأهم في كل ذلك هو اعتبارات المصالح المتبادلة.. مع أقل حد او قدر من التدخل في الشؤون الداخلية.
إذن لروسيا مصالح عسكرية استراتيجية في سوريا الجديدة، والمصلحة الأولى، في رأيي، تتمثل في الحفاظ على قدرة إسقاط بحرية وجوية في شرق المتوسط عبر طرطوس وحميميم، باعتبارهما الامتداد الوحيد خارج الفضاء السوفيتي السابق.
إن فقدان هاتين القاعدتين أو تقييدهما بشكل جذري سيضعف قدرة روسيا على المناورة في ملفات أوكرانيا والبحر الأسود والشرق الأوسط معاً… ولذلك يصبح الحد الأدنى من الوجود العسكري في الساحل السوري أولوية بنيوية للسياسة الروسية.
ولا يقل أهمية عن ذلك المصلحة الأمنية، ولو كانت في رأيي، تأتي في المرحلة التالية، فمسألة مكافحة الجهاديين هي من أولويات الأمن الروسي، وصعود قيادة انتقالية ذات خلفية جهادية، وأقصد بالطبع أحمد الشرع القادم من هيئة تحرير الشام، يثير في موسكو هواجس أمنية مرتبطة بإمكانية أو احتمالية تحول سوريا إلى منصة استقطاب جديدة للمقاتلين القوقازيين والآسيويين من آسيا الوسطى، وهذا الاستنتاج ليس من الهواء، بل هو من واقع متابعتي الشخصية للمستويين الرسمي والتحليلي في هذا الشأن.
ومن هنا تسعى روسيا إلى الحفاظ على قنوات عمل امنية مع دمشق الجديدة، لتأمين مشاركتها في ترتيبات مكافحة الإرهاب ومنع تشكل ملاذات آمنة لمعارضي موسكو المسلحين.
المصلحة الاقتصادية والطاقوية أيضا لها حضور، فالاستمرار في عقود الطاقة والفوسفات والموانئ التي جرى ابرامها في زمن الأسد ولو بعد إعادة تفاوض على نسب الربح أو مدة الامتياز مسألة مهمة بالنسبة للشركات الروسية. وهذه العقود توفر للشركات الروسية العاملة في مجالات النفط والغاز والفوسفات وإدارة الموانئ منفذا مهما في اقتصاد شرق المتوسط.
كما أن الشركات الروسية مهتمة بالحصول على حصتها في مشروعات إعادة الإعمار، خصوصا في ضوء تقديرات تتحدث عن مئات مليارات الدولارات المطلوبة لإعادة بناء سوريا. ولهذا تسعى الشركات الروسية رغم العقوبات وحرب أوكرانيا إلى ضمان موطئ قدم في مشاريع الإسكان والطاقة والبنية التحتية، ولو بدرجة حضور أقل من الحضور التركي والغربي والخليجي.
فضلا عن ذلك تبقى مسألة إدارة ملف ديون سوريا لروسيا من الملفات المهمة، فديون سوريا الخارجية تشكل حصة روسيا منها حوالي 15%، ومع ذلك لم يعد هذا الملف أولوية تحصيل نقدي، في رأيي، بقدر ما هو أداة تفاوض لربط أي شطب إضافي أو إعادة هيكلة أو جدولة بضمانات استثمارية وسياسية من السلطة الجديدة.
دمشق الجديدة نفسها تحتاج إلى روسيا كفاعل دولي قوي، فهي عضو دائم العضوية وفاعل نشط في مجلس الأمن الدولي، كما أنها تستطيع لعب دور الضامن.. المحتمل.. في مواجهة التحديات الإسرائيلية والتركية والكردية، لكنها في الوقت نفسه، أي دمشق تحتاج أيضا إلى واشنطن والعواصم الخليجية لإطلاق عملية إعادة الاعمار وإنهاء العزلة.
وهذا الطرح الذي أقدمه يضع روسيا في موقع… الشريك المهم… لكن ليس الحصري… بعكس السنوات السابقة التي تمتع فيها الكرملين بموقع المزود شبه الوحيد للحماية الدولية… والغطاء العسكري للنظام.
ونقطة أخرى مهمة على أن أشير إليها، حيث يظهر في الخطاب الرسمي والإعلامي المقرب من القيادة الجديدة في دمشق اتجاه لمطالبة موسكو بمراجعة دورها في الحرب السابقة، عبر الحديث عن “أخطاء الماضي” و “حقوق الضحايا”، فضلا عن طرح مسألة محاسبة الأسد نفسه.
لكن في المقابل، وحسبما أفهم الموقف الروسي في هذا الخصوص، تفضل موسكو تجنب أي سابقة قانونية أو سياسية… يمكن أن تستخدم لاحقا ضد تدخلاتها في أوكرانيا أو غيرها.
لذلك تبقى النتيجة المؤقتة في هذا الملف هي تأجيل حسم مسالة ملف الأسد ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، مقابل استمرار تعاون أمني وسياسي وعسكري.. محدود.. مع احتفاظ كل طرف بأوراق ضغطه.
وختاما أقول، إن سوريا ما بعد الأسد لم تعد مساحة نفوذ روسي حصري، لكنها لم تتحول أيضا إلى ساحة إقصاء كامل لموسكو.
ما تحاول روسيا فعله اليوم هو الحفاظ على الحد الأدنى من مكاسبها الاستراتيجية، سواء القواعد أو النفوذ الأمني أو العقود التجارية والاقتصادية الأساسية، في بيئة سياسية جديدة لا تشبه النظام… الذي دافعت عنه طيلة عقد من الزمن.
في موسكو يتزايد الإدراك أن تكلفة البقاء.. الضروري والمطلوب… في سوريا بعد 2024 ستكون أعلى سياسيا واقتصاديا مما كانت عليه قبل سقوط الأسد.
——————-
أبرز النقاط
سقوط الأسد أعاد تشكيل موقع روسيا في سوريا والشرق الأوسط.
وجود الأسد في روسيا أصبح ورقة سياسية في علاقات موسكو – دمشق الجديدة.
القواعد الروسية انتقلت من مرحلة السيطرة إلى مرحلة إعادة التفاوض.
مصالح موسكو: عسكرية – أمنية – اقتصادية – سياسية.
العلاقة أصبحت “شراكة مشروطة” لا “تحالفاً مطلقاً”.
روسيا تريد الحفاظ على الحد الأدنى من النفوذ رغم تغيّر البيئة.
■ مصدر الخبر الأصلي
نشر لأول مرة على: pravdatv.org
تاريخ النشر: 2025-12-08 14:46:00
الكاتب: قسم التحرير
تنويه من موقع "chicago76.com/":
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
pravdatv.org
بتاريخ: 2025-12-08 14:46:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع "chicago76.com/%22%D8%8C والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

